د. هيفاء بيطار
لا أبالغ إذا قلت إن الجزائر أصابتني بصدمة جمالية, فما إن وصلت إلى مطار هواري بو مدين الحديث والرائع, وكانت بانتظاري الصديقة الغالية الدكتورة آسيا موساي مديرة منشورات الاختلاف, واصطحبتني إلى فندق بديع هو الأوراسي المطل مباشرة على البحر, حتى أحسست أن قلبي مشرع لحب جديد, قوي ونابض بالحياة.. هناك مدن تحرض فيك من اللحظات الأولى شهية حب الحياة, ومدن أخرى تحسها مغلقة دونك, كما لو أن هناك حاجزاً بينك وبينها. الجزائر مدينة أخاذة الجمال وشامخة, مطلة على البحر وغنية بالغابات. ولها نظام معماري مميز وجميل.
كان لي شرف استضافتي في المكتبة الوطنية في الجزائر, والمكتبة الوطنية صرح ثقافي وحضاري بديع, ويرأسها الروائي الجزائري أمين الزاوي.. وهي بناء عملاق ومتقن لحد الإبهار, ومعظم العاملين فيها من المبدعين, والنشاطات الثقافية والموسيقية مستمرة فيها وهي تطل على حديقة بديعة تضم كل أنواع الأشجار في العالم, وكل أنواع الطيور, إنها جنة حقيقية.
في قاعة المحاضرات ووسط حشد من الإعلاميين والمثقفين, أذكر منهم الكاتبة الجزائرية المميزة زهور ونيسي, والشاعرة المبدعة ربيعة جلطي, والمسرحي والإعلامي حميدة العياشي, صاحب أشهر جريدة في الجزائر هي الجزائر نيوز وسط هذا الحشد المميز وبعد كلمة ألقتها الدكتورة آسيا موساي, والأستاذ أمين الزاوي, تمت مناقشة أعمالي, تحديداً الكتب التي طبعتها منشورات الاختلاف بالتعاون مع الدار العربية للعلوم في بيروت.
لم أتوقع أن الحوار سيكون غنياً ومميزاً لهذه الدرجة, وأن المثقفين الجزائريين يتمتعون بتلك الرهافة والدقة والقدرة على تحليل الأعمال الأدبية كان تأثري عميقاً في الواقع, ليس لأني وجدت من يقدر أعمالي ويهتم بها – وهذا طموح كل كاتب – بل لأنني أدركت أن العزلة الثقافية بدأت تخترق وتكسر, وأن أعظم خطوة لتقليص العزلة الثقافية بين الدول العربية يكون بأن تتعاون دور النشر مع بعضها في طباعة أعمال لكتاب ومبدعين.. وأظن أن تجربة الدار العربية للعلوم في بيروت ومنشورات الاختلاف في الجزائر أعظم دليل على إمكانية تقليص العزلة الثقافية, فأي إنجاز أكثر روعة من أن تصدر روايات وكتب ثقافية في عدة عواصم عربية في الوقت ذاته.. وأن يكون كاتب سوري أو أردني معروفاً في الجزائر كما هو معروف في بلده تماماً!
وأتمنى أن تسعى دور نشر أخرى للاقتداء بالشراكة المميزة التي قامت بها منشورات الاختلاف في الجزائر والدار العربية للعلوم في بيروت.
وإن هذه التجربة في تعاون دور النشر هامة ليس على مستوى انتشار الكتب بل في تعريف المبدعين العرب على نتاج بعضهم بعضاً.
ثمة حماسة كبيرة لإحياء الثقافة العربية في الجزائر احتفالاً بالجزائر عاصمة الثقافة العربية لعام ,2007 وقد أطلعني الأستاذ أمين الزاوي والدكتورة آسيا موساي على برنامج عمل مزدحم بالنشاطات الثقافية, من إقامة مهرجانات شعرية واستضافة شعراء عرب إلى طباعة أعمال أدبية مميزة لكتاب عرب وإلى تحضير المؤتمرات عن الرواية العربية وغيرها.
إن ضخ دم جديد في الثقافة العربية هو ما نحتاجه حقاً, فمن مثل الكلمة تحيي وتساعد الإنسان لمقاومة زمن صعب مشحون بالإحباط والعنف واليأس.
وأنا أؤمن أن لامعنى لحياة إلا من خلال ثقافة ما أو هدف ما, وإلا تحول عمرنا إلى تراكم زمني لا معنى له.. إن الجزائر ستكون عاصمة الثقافة لعام 2007 وعاصمة الأمل بحياة أفضل أكثر غنى وتفاؤلاً.
عن الثورة السورية/24/01/2007
--------------------------------------------
* أديبة وروائية سورية
|