الصفحة الأولى > الأرشيف > ثنائيات في "الجزائر عاصمة الثقافة العربية"
الأرشيف
ثنائيات في "الجزائر عاصمة الثقافة العربية"
بقلم : د. رياض نعسان أغا
أتيح لي أن أشارك في حفل افتتاح احتفالية الجزائر عاصمة للثقافة العربية، وأحسب أن من أفضل ما أنجزته الأمة أمام تحديات العولمة الثقافية هو هذه الاستجابة الإيجابية الواعية المتمثلة في إحياء العقد العربي، وفي إعلان العوْربة في مواجهة العولمة، عبر رؤية جديدة منفتحة تستعيد من خلالها الأمة تمسكها بالهوية الثقافية، وتفسر الثقافة القومية تفسيراً واسع الطيف يضم في سعته كل الثقافات المحلية التي أسهمت في إنتاج هذه الثقافة وتحدثت بلغتها.

وقد أسعدني أن تتزامن احتفالية الجزائر بكونها عاصمة للثقافة العربية هذا العام مع احتفالها بعيد رأس السنة الزراعية الأمازيغي، وهذا ما أشار إليه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في خطابه الثقافي المتميز في افتتاح الاحتفالية، مشيراً إلى أن هذا التزامن تذكير بالتنوع الثقافي بصفته عربوناً يضمن حيوية الثقافة. وهذا اليوم الفلاحي يعود في الذاكرة الشعبية الجزائرية إلى تربع فرعون الأمازيغي شاشناق الأول على عرش مصر، قبل 2957 سنة خلت، وقد ذكر الرئيس الجزائري هذا التزامن الذكي عبر حديثه عن ثلاث ثنائيات جعلها محاور للاهتمام الثقافي، وأراد من خلالها بث حيوية فكرية في جسد الاحتفالية وهي ثنائية (الهوية والثقافة العربية) وثنائية (الثقافة العربية والعولمة) وثنائية (الثقافة العربية والحرية). وهو في هذا الطرح يحث على البحث عن مضمون وفحوى الثقافات التي توحِّد الأمة بعد وقوعها فيما سماه فراغاً خلقه العجز الثقافي الذي سرعان ما ملأته رؤية دينية ضيقة ومختزلة تجلت في الجزائر بما سماه العشرية السوداء. وكان طبيعياً أن يشير إلى السخط المتولِّد عن تفاقم الخروقات التي طالت أبسط حقوق الفلسطينيين الإنسانية، وإلى الاعتداءات الخارجية المقترفة في الوطن العربي، مشيراً بكناية أدبية إلى ما نجم عن زوال دولة المن والسلوى، واختفاء ثقافتها الرسمية من أخطار بالغة.

وعلى الرغم من كوني أتوجس من إقرار الثنائيات في الفضاء الفكري العربي خشية الوقوع في الفخ الثقافي التقليدي الذي تاهت فيه ثقافتنا العربية عقوداً حين سقطت في ثنائيات وهمية مفتعلة بين التراث والمعاصرة أو الحداثة والتقليد أو الإسلام والغرب أو المحلية والقطرية، وسوى ذلك من الثنائيات التي جعلت تنوع الثقافة وتعدديتها نقمة بدل أن تكون نعمة، إلا أنني أنظر بكثير من الاحترام والتفاعل إلى الفكر الذي قدمه الرئيس الجزائري بعمق ثقافي لحظ الخطورة التي تحيق بالثقافة العربية حين تقع في أسر خلط بين الثقافة الوطنية وبين الثقافة العربية ببعدها القومي، مشيراً إلى ضرورة نبذ ما سماه محمد أركون إيديولوجيات الإقصاء المتبادل.
وأعتقد أن هذا الإقصاء مسؤول عما تقع فيه الأمة اليوم من أخطار التفتت والتقسيم، لأن مخططات الصهيونية ترتكز أساساً على قابلية كامنة لدى شرائح من بينها نخب متعصبة أو باحثة عن فرص سلطة أو نفوذ لا يتحققان إلا عبر إقصاء الآخر الذي هو بعض (نحن) حين نتحدث عن الأمة غافلين عن وجود ثقافات وطنية ذات خصوصية عرقية أو دينية مختلفة عن الثقافة العربية بملامحها القومية العريضة، حيث تبدو الحاجة ملحة للتذكير الدائم بدور هذه الثقافات الوطنية المحلية في إغناء الثقافة العربية وتشكيل روافد غزيرة تصب في نهرها الواسع.

لقد تذاكرنا في جلسة ثقافية مع كبار مثقفي الجزائر نماذج كثيرة من هذه الروافد التي لا مجال لذكرها هنا، ولكن حسبنا أن نتذكر أن ابن خلدون اعتبر في مقدمته الشهيرة أن العجم (وهو يقصد بهم غير العرب) خدموا علوم العربية أكثر مما خدمها العرب أنفسهم. وبوسعنا أن نتذكر أن مؤلف الكتاب في النحو هو سيبويه الفارسي، وأن ابن أجروم الأمازيغي قدم واحداً من أفضل شروحات النحو العربي، ونقصد (الأجرومية) وهي من أفضل المتون في النحو العربي. ومن المعلوم أن تعلق الشعوب غير العربية بلغتنا العربية كان بدافع ديني محض، ويبدو أن ضعف المشاعر الدينية عند بعض هذه الشعوب كما هو الأمر لدى شرائح كثيرة من العرب أنفسهم، هو الذي يسهم في طرح إشكالية اللغة العربية أمام اللغات المحلية، مع التأكيد على أن الإسلام لم يجبر الشعوب غير العربية على التحدث بالعربية، بل إن من واجبات المسلم أن يحافظ على اختلاف الألسن لأنه من آيات الله سبحانه وتعالى حيث يقول: (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين).

ولعل بقاء اللغات المحلية حية إلى الآن يقدم الدليل الساطع على أن الإسلام حافظ على هذه الخصوصيات الثقافية، فقد كانت الدولة العربية الإسلامية من القوة والمنعة بحيث لو أنها أرادت تهميش هذه الثقافات لفعلت، لكن التاريخ لا يقدم لنا أية محاولة من هذا النوع البغيض الذي لم يفكر به أحد من قادة العرب، بل إن العرب أنفسهم بايعوا سلاطين وحكاماً من غير العرب لمجرد أنهم مسلمون. لقد قاوم العرب المغول والصليبيين حتى هزموهم، ولكنهم قبلوا حكم المماليك ومن بعدهم العثمانيين عبر الأخوة في الدين، ولولا أن القيادات غير العربية نزعت إلى الشعوبية التي فتكت بالدولة المسلمة لما تولد لدى العرب الذين همِّشوا هذا النزوع القومي الذي واجه جمعية "تركيا الفتاة" على سبيل المثال، بجمعية "العربية الفتاة"، وواجه حركة التتريك في أواخر القرن التاسع عشر بحركة التعريب، وعلينا أن نتعلم الدرس الحضاري من تاريخنا، ويبدو أن الآفاق المتفتحة في الثقافة العربية تتلمس الطريق الآمنة عبر الاعتراف المتبادل بدلاً من الإقصاء المتبادل.

وأما الثنائية الثانية التي طرحها الرئيس الجزائري فهي غاية في الأهمية حيث يحذر الخطاب من خطورة فهم التفتح على الثقافة الغربية أو على العالمية من منظور نشر التقدم بأنه يعني الخضوع أو الانصياع للغرب باسم الحداثة. ولقد وقع كثير من كبار المثقفين العرب في هذا الخضوع الطوعي لقيم الغرب وبعضهم اليوم يتحدث في منابر الثقافة العربية وكأنه أوربي أو أميركي، متنازلاً عن خصوصيته العربية وهويته الوطنية، وتراثه الإسلامي. وتبدو المشكلة في فهم الحداثة على هذا النوع من الذوبان في الثقافة الغربية أكثر خطورة حين يتشبع بها قياديون عرب يشغلون مواقع مسؤولة عن وضع الخطط التعليمية والتربوية والإعلامية. وبعض هؤلاء يؤمرك الثقافة العربية بدعوى العالمية، ولكنه يقع في فخ العولمة بجوانبها السلبية التي تهدد الثقافات الوطنية والقومية، وتدعو إلى ثقافة تلغى فيها الهويات والملامح الخصوصية. إن تأمل التجربة الحضارية العربية الإسلامية ولاسيما في عصور الازدهار يقدم للأمة مخارج من هذه الإشكالية، حيث قدمت هذه الحضارة نموذجاً فذاً للثقافة العالمية ولكنها لم تلغ قط خصوصيات الثقافات المحلية للشعوب التي ساهمت بقوة في صنع هذه الحضارة.

وأما الثنائية الثالثة التي طرحها الرئيس الجزائري فهي ثنائية الثقافة العربية والحرية فحدها احترام حرية الآخر، وهي فيما بعد ذلك فضاء لا حدود له، وهناك الفارق الحضاري بين مفهوم الإبداع وبين مفهوم البدعة التي تقع في الضلالة.
لقد أطلقت برامج عواصم الثقافة العربية فرصاً تاريخية أمام المجتمع العربي لحل الكثير من الإشكاليات، عبر تقديم رؤية ثقافية جديدة ومبتكرة تخرج من نفق التقليد إلى فضاء الإبداع، وتقبل برضا وانفتاح مشاركة الآخر، وتفهم الحداثة فهماً مختلفاً عن الفهم الضيق الذي يدعو إلى كونها قطيعة مع الماضي، وتفهم المثاقفة مع الغرب فهماً مختلفاً عن الذوبان فيه. ونرجو لاحتفالية الجزائر أن تقدم النموذج الذي تفيد منه الثقافة العربية في كل عواصمها، وندعو الإعلام العربي إلى دعم هذه الاحتفالية ومواكبة برامجها، فقد قصَّر الإعلام العربي كثيراً تجاه حلب عاصمة الثقافة الإسلامية هذا العام. وهذا عتب أخوي أضعه أمام زملائي من الإعلاميين العرب الذين لم يولوا احتفاليتنا في حلب ما كان ينبغي لها من الاهتمام الإعلامي، مع أن ما قدمته من برامج وأنشطة نوعية عالمية كان مادة ثرية جديرة بأن تسلط عليها أضواء الإعلام العربي والإسلامي.

 *  وزير الثقافة السوري
  المصدر /الاتحاد


السياحة في الجزائر

معالم ومواقع من" البهجة "

الجزائر باختصار

يكتبها أهل الاختصاص

الدول المشاركة

نافذة على الثقافة العربية

خـدمـات

المفيد من المعلومات

الألبوم

عاصمة الثقافة بالصور
للاتصال بنا- الأرشيف