الصفحة الأولى > مساهمات > الثقافة..صناعة
مساهمات

الثقافة..صناعة

الثقافة موروث ولكنها صناعة أيضا ، كما المثقف موهبة ولكنه يصنع أيضا ، وكما هي شخصية الأمة ووجودها وإشعاعها إنما يكون نتيجة إرادة إنسانية ، فعل ، إنتاج فكري وإبداع يتشكل في الواقع المعيش يوميا ، ويبدو فيما نسميه إجمالا عناصر الحضارة.
الثقافة إذن، تصنع لحضارة والإنسان يصنعهما معا وتصنعانه ، في علاقة جدلية ذات أبعاد فلسفية وميتافيزيقية وأخلاقية ودينية متداخلة لكنها جميعا تصب في نتيجة واحدة ، أن الفعل الإنساني هو المنتج الأول لكل العناصر المشكلة لوجوده كثقافة وحضارة.
لا يمكن للحضارة أن تعطى ، أو أن تستورد ، أو أن توهب ، وكذلك الثقافة بكل العناصر المشكلة لهما .. الإنسان وحده ، هذا الكائن الذي خلق لعمارة الأرض هو وحده القادر على إنتاج عناصر ثقافية، هو وحده القادر على أن يعيش في نطاق الثقافة التي أنتجها.
ونحن في عمق هذا العالم المتسارع التغيير المتجه إلى المزيد من التداخل المركب -حتى كدنا لاندرك كنهه - بما يفرضه علينا من عناصر ثقافية وحضارية أحيانا لا ندري طبيعتها ولانستطيع استيعابها ، وأخرى تبدو لنا وكأنها غير موجودة تماما ، وكأن العالم اليوم يعيش بلا ثقافة ولا حضارة.
ونحن في مهب هذه العوالم الافتراضية ، وحقول المعرفة الجديدة الموغلة في التداخل مابين التخصصات ، وضمن التخصصات ، وما فوق التخصصات، وعبر التخصصات ،والفضاءات الالكترونية الشبيهة والكلانيات الفكرية ، والنانوثقافية . أحيانا تبدو لنا المهمة مستحيلة وأخرى يتراءى لنا من بعيد عجزنا على متابعة ما تطرحه حضارة اليوم، وأخرى يلوح لنا بصيص من الأمل البعيد ، أننا يمكن أن ندرك، ويمكن أن نعيش ويمكن أن نكون ، ولعلنا يمكن أن نصنع البديل ، وكأن بداخلنا قوة ذاتية لا مرئية تمنعنا من الانهيار وتشحذ الهمم لكي نكون.
هذه القوة الذاتية هي عناصر الثقافة التي نملك ، الموغلة هي الأخرى في التاريخ ، والمتشكلة عبر الزمن ، وهي التي نريد اليوم أن نساهم بما استطاعت الوسائل التي نملك أن نستعيدها عبر الكتابة ، والصورة الفنية هنا، وعبر كل أشكال التعبير الأخرى هناك ، وعبر اتصال ثقافي يشمل النطاق الطبيعي لوجودنا ، ونطاق إشعاعنا عبر التاريخ . لذا ، كم تبدو المسؤولية صعبة ، ونحن نقرأ ، ونحن ننتقي مانقرأ ، ثم نحن نكتب وننتقي ما نكتب ...ونحن نقوم بكل هذا مستحضرين حاجتنا اليوم وغدا وضغط العالم من حولنا وضرورة استعادة عناصر القوة الثقافية التي نملك ، وضرورة التكامل فيما بيننا ، انطلاقا بالفعل من كوننا أمة لها تاريخ ولها حضارة.
هذا ما يجعل جبهة الثقافة ، فيما تعيده من تماسك لبنية الأفكار لدينا ، وفيما تنقلنا إليه عبر الأزمنة المختلفة من إبداع في شكل مسرح أو سينما ، أو نحت أو رسم أو قصة أو شعر أو فن بمختلف ضروبه وأشكاله ، وفيما تذكرنا بقوتنا في النطاق الطبيعي لثقافتنا ، وفيما تعيد صناعة وجودنا وتحافظ عليه ، إنما هي جبهة إستراتيجية لها علاقة ببقائنا كدولة وكدور في المنطقة وفي العالم.
وعندما تكون كذلك، يزداد تأكيدنا بأنها ينبغي أن تصنع.
وعندما نقول صناعة الثقافة فليس معنى ذلك أن نصنع الإبداع ، لأن الإبداع لا يصنع ، إنما أن نصنع سياسة ثقافية للإبداع ، أن نكون على دراية بما ينتجه المبدعون ، أن نرعى البذرات الأولى لعطائهم وهم في أول الطريق ، ونصون ثمارهم الناضجة وهم في آخرها ، أن تكون لنا عين ساهرة على كل منهم ، أن نمكنهم من أن يقدموا أقصى ما تتفق عنه عبقرياتهم من غير عناء ولا خوف من محيط محلي أو عالمي ضاغط عليهم.
ذلك هو المغزى من صناعة الثقافة ضمن إستراتيجية البناء والعطاء كما المغزى من صناعة الإنسان ضمن هذه المرحلة الحضارية التي تحيط بنا وتكاد تعصف بوجودنا.
وعندما يتم ذلك على النطاق العربي الكلي يأخذ المفهوم كل أبعاده وتصبح الرؤية أكثر وضوحا.. إننا نريد أن تكون للثقافة العربية مكانة في هذا العالم .. وعاصمة لهذه المكانة .
و هي اليوم الجزائر وغدا مدينة عربية أخرى ، بما يحمل كل ذلك من دلالات ورموز :أنها ثقافة كما احتضنتها في القرون التي خلت ، دمشق وبغداد ،واحتضنتها قرطبة وبجاية وتلمسان . تحتضنها في كل عام عاصمة عربية. ثقافة تملك رؤية لأبعاد الزمن الماضي والحاضر وتريد أن تبدأ في صناعة بعدها المستقبلي هي الأخرى . باعتبار أن المستقبل، يصنع أيضا .. ويصنع الآن . وفي ميدان الثقافة بما ينتجه المبدعون.

أ.د.محمد سليم قلالة
مجلة الثقافة العدد10-2007/بتصرف خفيف


السياحة في الجزائر

معالم ومواقع من" البهجة "

الجزائر باختصار

يكتبها أهل الاختصاص

الدول المشاركة

نافذة على الثقافة العربية

خـدمـات

المفيد من المعلومات

الألبوم

عاصمة الثقافة بالصور
للاتصال بنا- الأرشيف