|
وثائق عاصمة الثقافة |
|
رسالة رئيس الجمهورية بمناسبة اختتام تظاهرة الجزائر عاصمة الثقافة العربية *
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين
أصحاب الدولة و المعالي و السعادة،
حضرات السيدات و السادة،
ها هي ذي سنة الـجزائر عاصمة الثقافة العربية قد بلغت نهايتها و بهذه الـمناسبة يسعدني أن أعرب عن عـظيم الامتنان للدول العربية الشقيقة، التي ساهمت في إنـجاح هذه التظاهرة الكبرى، و أخصّ بالشكر و العرفان جميـع الـمثقفيـن والـمبدعيـن و الفنـانيـن العرب الذيـن ضـمّـوا ما أوتـوا من جهود وملكـات وجعـلوا مـن الـجزائـر و عاصمتها ملتقى للتبادل الثقافي العربي ومسرحا لتجلِّي الديـنامية التي يتـميّز بها الفعل الثقافي في الوطن العربي برمته.
و من ثـم ، فإن الـجزائرييـن يعتزون بالدور الذي اضطلعت به عاصمة بلادهم إذ تـحولت إلى مركز إشعاع للثقافة العربية الـمعاصرة، هذه الثقافة التي ظلت حية و متنوعة ، رغم كثرة نوائب الدهر و شدة الـمثبطات والـعوائق ، الثقافة الـمشرقة الـمآثر التي كانت عامل تقدم باهر للعلـم و الـمعرفة، الثقافة التي ظلت ، على امتداد قرون عديدة في مقدمة ركب التطوّر العالـمي بكل أبعاده، الثقافة التي غذت وجدان الـجزائرييـن الـجماعي وتغلغلت في قوام هويّتهم، هذه الهوية التي حاول الاستعمار جاهدا تزييفها والقضاء عليها و باء بالفشل.
لقد شهدت اللقاءات التي احتضنتها الـجزائر طيلة السنة على ازدهار لا جدال فيه للإنتاج الثقافي في بلداننا في غضون السنوات الأخيرة ، و على صعيد آخر تكاثف رواج نتاج الإبداع، و ما يثيره من تعاط معه داخل الفضاء العربي بكامله والـرواج هذا أضحى اليوم أمرا أيسر بفضل توسّع إعتماد تكنولوجيا الاتصال الـحديثة ، كما يـمكننا ذكر تكرار تشابه الـمواضيع الـمعالـجة من قبل الـمثقفيـن و الفنانيـن العرب على إختلاف أقطارهم والـحقائق هذه كلها تعكس بروز فضاء موحّد جاء ليـحل مـحل ذلكم الفضاء الـمقسم بالـحواجز الذي كان، لـمدة طويلة، وعاء للثقافــة العربية فكرا و إبداعا.
إننا نرى في هذا تطورا يبعث على الإرتياح و التفاؤل لأنه قميـن بـمساعدة الشعوب العربية على بناء وعي مستجد بوحدة الانتــماء ، وعي لا ينبثق من مشاعر ذاتية وعاطفية فحسب ، و إنـما يقوم على تقاسم نفس الانشغالات الـملـموسة والـمصالـح الـمشتركة .
من شأن هذا التبلور الـجديد للوعي العربي ، الذي يلوح في الأفق ، أن يكون مُكَسِّبا جوهريا في هذا الظرف الـمتـميّز الذي تـمرُّ به أمتنا ، هذا الظرف الـحاسم بالنظر إلى التـحديات الـمترابطة للغاية التي تواجه بلداننا في هذا العالـم الـمتسارع الـحركة ، و أعني بها تـحدّي بناء مستقبل كل منها ، وتـحدّي مصيرها الـمشترك وتـحدّي تعاملها مع العالـم.
إن الثقافة، بـمختلف جوانبها، تضطلع بداهة بوظيفة جوهريـة لا غنى عنها تتمثل في مساعدة الوطن العربي على مواجهة هذه التـحديّات وإيجاد الـمخرج من إمتحانها و إنه بـإمكان الـمثقفيـن و الفنانيـن، بل من واجبهم ، الإسهام أكثر فأكثر في هذا الـمسار ، و ذلك بتشجيع وتعميم و تعميق التـحليل النقدي لـمجتـمعاتـنا لكــل ما يـمُتُّ بالصلة إلى تاريخها وبنياتها و مقوماتها النفسية ، وكذا بالـمساعدة على حسن تقدير الصّعاب التي تعترض طريقنا و الـمساهمة في الإحاطة بأسبابها ، و أخيرا بالعمل على حفز و تنوير البحث عن السبل الـمؤدية إلى مستقبل لا مـحل فيه للـخيار بلا موجب ، و الذي يريد هؤلاء و أولئك الزج بنا فيه ، بيـن أمرين لا ثالث لهما : أي إما أن ننصاع، تـحت غطاء العصرنة ومن باب الـمحاكاة الـمطلقة، إلى اعتناق أنـماط تفكير الثقافة الـمهيـمنة حاضرا وسلوكاتها و
التـنازل من ثـمة عن هويتـنا الـحقة الأصيلة.
و إما أن ننساق إلى الانغلاق على أنفسنا بالنكوص إلى الـماضي بـما يحمله ذلك من خطر تفاقم تخلّفنا وتـأبيد ضعفنا و هشاشتـنا في محيط عالـمي بات لا مفر فيه من دخول منافسة ما انفكت تـمعن في القساوة.
و من ثـم ، يتعيّن أن نـحل الثقافة في صلب أولوياتـنا ، و لئن كان التقهقر الثقافي بالأمـس مؤشرا أنبأ بانهيار بلداننا اجتـماعيا و سياسيا فلا مندوحة لنا ، نـحن العرب ، عن جعل التــجـدّد الثقافــي تـمهيدا لا مناص منه و وسيلة لا غنى عنها للتأهل وفق معايير العالـم الـمعاصر و من دون الوقوع في الإنسلاخ عن هويتنا، حتى نتبوّأ فيه الـمكانة التي تليق بنا في السباق العالـمي من أجل الرقي.
إن الإسهـام الثقـافـي هـذا لا بديل عنه مثلـما يتـجلى ذلك من خلال العقود الأخيـرة من تاريـخنا، هذا التاريخ الذي يبيـّن حدود الإراديـة الاقتـصادية والتقنية ، التي لا تكفي وحدها لتطوير مجتـمعاتـنا و إلـحاقها بركب العالـم الـمعاصر إلـحاقا كاملا و منسجما و نشطـا حتى لا نظلّ مجرد مستهلكيـن سلبييـن لتقدم يصنعه غيرنا ، تقدم تتـجسد فيه قيّم غيرنا دون سواهم و به تتمادى هيـمنتهم.
إن الـحداثة التي نصبو إليـها لا تتأتى لنا بـمجرد نقل آلي لكيفيات تقنية أو إجراءات قانونيـة ؛ إنها لا تتأتى إلا إذا غيَّرنا ما بأنفـسنا، وذلك بإعمال التـحليل النقدي على أنفسنا وباستيعـاب فتحات الفكر البـشري باستحضار تراثنا الـحافل واحترام مقومات شخصيتـنا الأصيلة.
و في هذا الـسبيل ، تعترضنا متطلبات كثيرة منها تـحرير الإبداع الفكري و الفني من القيود التي تكبله ، و إفساح مجال النقاش الـحر ، و إصلاح منظوماتـنا و برامجنا التعليـمية من أجل شحذ حس النقد الذي من دونه يتعذر البحث و الإبداع ، إصلاحها قصد إعادة الاعتبار للعقل الذي لـم يتنكر له الفكر العربي الإسلامي ، بل كان سباقا ، في عهد الـمعتزلة، إلى إعماله في كل ما كان جاريا به العمل من أساليب و تطبيقات ، ذلكم العقل بالذات ، الذي جعل فيما بعد أوروبا تكتشف في القرون الوسطى الـمنطق العقلاني مساهما بذلك فيـما أسماه الغرب نهضته.
فبعيدا عن الإنغماس في الـحنيـن العقيم ، يتعيـن علينا أن نعمل، اليوم، في نفس الوقت من أجل إحياء تراثنا حيث تغوص جذورنا ، و إجلاء ما فيه من تليد. وطارف ، والـحرص بكل تواضع وبلا أية عقدة على تدارك تأخرنا وفي هذا الإطار ، لا مندوحة لنا عن تـحريك نشاط الترجمة على أوسع نطاق لأنه من دونه ستؤول لغتـنا العربية ، التي ما انفكّت الهوة تتسع بينها و بيـن الـمعارف الـحديثة و يزداد هجرانها من قبل النخب الـمثقفة، إلى اضمحلال قـد لا تـحمد عقباه بعد أمد.
حضرات السيدات و السادة،
إن التراث الثقافي العربي الراسخ التأصل في الإسلام، مكَّن ، بـما تـمتع به من ثراء وعمق ، شعوبنا من الصمود أمام محاولات تـجريدها من هويتها إبان عهود. تاريخها حيث كانت ترزح تـحت وطأة الهيمنة و قد تـميزت تلك العهود التي قضتها في مكابدة السيطرة الـمفروضة علـيها ومقاومتها بانهيار اقـتـصادي واجتـماعي و لكن ، لا بد من الإقرار بأن مسار التقهقر هذا كان قد بدأ من قبل ذلك وبأن السيطرة الأجنبية حصلت أول ما حصلت بعد قيام حركة معقِّمة للفكر تلاها "فريسة جاهزة للاستعمار على حد تعبير مالك بن نبي نكوص اجتـماعي جعلا بلداننا "
و اليوم ، و نحن نشهد عولـمة متسارعة مصحوبة بحركة تـنـميط على نطاق عالـمي، يتضح أن هذا التراث بثرائه وعمقه هو سبيلنا إلى الالتـحاق بركب التقدم العالـمي من دون التنازل طبعا عن هويتـنا وقيـمنا الـجوهرية و ليس ذلك علينا بعزيز شريطة أن نـجد كيف نستظهر هذا التراث على ضوء الـمعارف التي تراكمت لدى الإنسان و بالـحرص على مساوقته ؛ و شريطة أيضا أن نـجد كيف نـجدّد العهد بالاجتـهاد الـذي كان مرتكـزا لتوثُّـب الثـقافة العربـيـة البـاهـر نـحو الـحـق والـعدل و الـجمال.
و لا يـنبغي أن يغيب عن أذهاننا أن الانفتاح، الذي سمح للثقافة العربية باستيعاب الثقافات العالـمية و هضم خلاصتها، هو ذاته الذي جعلها تتربّع على عرش الـمعارف الإنسانية و تصبح بعد ذلك في طليعة حركة الإبداع.
و ذلكم هو النحو عيـنه الذي نستطيع به العودة إلى جادة التقدم ، الذي يـدعو إليه روح القرآن الكريـم ، ويـجنِّبنا الـخلط بيـن طريق الـماضي و التقوقع على الذات وبيـن طريق الأصالة.
و حيـنئذ ، سيكون بـمقدورنا استرجاع القيـم الإنسانية، وبوجه خاص الإقتناع بأن التسامح هو الذي تستمد منه عقيدتـنا الديـنية تـمام قيمتها لأن الإيـمان الـحقيقي لا يقــوم إلا على الاقتـناع الـخالص وليس على مجاراة الـمجتـمع فالتسامــح ، كما تعلـمون، هو ضمان التـنوّع الذي هو محرك التطوّر ، والـحقيقة هي أن الـمجتـمع الذي لا وجود بيـن أفراده للاختلاف في الـرأي مجتـمع لا يفكّر و لا يتقدّم بتاتا ويحق لنا أن نذكر ، بكل فخر واعتزاز، بأن حضارتـنا العربية الإسلامية قد أعطت ماضيا بالأندلس مثالا فريدا في التسامح.
حضرات السيدات و السادة،
إننا مطالبون بالتخلي عن السلوكات الدفاعية ، بـما فيها الانطواء على النفس تهيُّبا أو النفور العدائي من الغير ، إذا أردنا الانفتاح على ثقافات مختلفة و التعاطي معها ، و ذلك دون أن نفرّط في تمسّكنا بهويتنا و قيمنا الجوهرية ، ذلكم التمسّك الذي تأكّد بـما لا يدع مجالا للشك عبر مختلف عهود المقاومة و لا مناص لنا من الإقرار بوجود حضارة عالـمية هي نتاج إسهام كل حضارة من الحضارات التي تتلاقح دون أن تذوب في بعضها البعض . فلا بد لنا أن نعتبر أن الثقافات، مثلها مثل اللغات التي هي أداتها الأساسية، تتعرض للزوال كلّما كفت عن التطـوّر من أجل التساوق مع عصرها.
و لئن عقدنا هذا العزم وتسلحنا بهذه القناعات فسيكون في مقدورنا أن نخوض ، من خلال أهل الفكر و الفن منا ، طريق حوار الثقافات الذي هو طريق التعارف و طريق السلـم.
و في هذا الظرف الذي فيه تتنامى ، في سائر أنحاء العالـم، نعرات معاداة الأجنبي و تنفجر أشكال التطرّف ، في حيـن تتعالى من ناحية أصوات الكراهية الداعية إلى إشعال الـحرب بيـن الـحضارات أصوات الكراهية للعرب ليست ردا علي الإرهاب لأنها سبقته بزمن طويل و أدت إلى الـحروب الصليبية ، و إلى الـمد الاستعماري الغربي ، و ما زالت هذه الأصوات مستمرة و ستبقى حتى نغير ما بأنفسنا ، بات لزاما على النخب الـفكرية و الثقافية و العلـمية أن تدعو إلى مثل هذا الـحوار و تضطلع بتـنشيطه ، على أن يتـمّ هذا الـحوار على أساس الـمساواة والاعتراف بتـنوع الثقـافات التـي لكل منها نصيبه من الـحقيقــة وحقه في الاحترام .
إن الثقافة ستسهم بالـحوار هذا في تلبية ما تصبو إليه الـمجموعات العريضة من البشر من سلـم و رقي للـجميع ، و ذلك إن هي وسعت أفاقها تدريجيا ، وأدلت بدلوها في القضاء على الأحكام الـجاهزة التي يتراشق بها هؤلاء و أولئك و تـحاشت "تصادم الـجهالات" الذي تـحدّث عنه إدوارد سعيد.
حضرات السيدات و السادة،
أودّ أن أعبّر مرة أخرى عن اعتزازنا و سعادتـنا لكوننا احتضنا مختلف التظاهرات التي ميّزت سنة الـجزائر عاصمة للثقافة العربية.
و اعتزازنا هو إعتزاز على قدر تـمسّكنا بثقافتـنا و هويّتـنا اللتيـن صمدتا طيلة 132عاما أمام واحدة من أطول و أشرس محاولات مسخ الهوية و فسخ الإنتماء التي عرفها التاريخ.
لقد كانت اللغتان العربية والأمازيغية ، اللسانيـن الناقليـن للتراث الثقافي الوطني، إلى جانب العقيدة الديـنية الـحصون التي على أسوارها تـحطّمت محاولة محو الهوية و مسخ الثقافة، والتي كانت الـموئل حيث لاذت روح الأمة فكُتِب لها البقاء
إننا متـمسّكون غاية التمسك ، بهذا التـنوّع الذي تقوم عليه هويتـنا الذاتية ، هذا التـنوّع الذي هو مصدر ثراء لنا نحرص على الـحفاظ عليه عامليـن على تثميـن تراثنا الأمازيغي إلى جانب مسعانا الـمتضامن ضمن الوطن العربي خدمة للغتـنا العربية ولتراثنا الـمشترك.
و لا يسعني، في هـذا الـمقام، إلا أن أوجه تـحية خاصة إلى كافة الشعراء والفنانيـن الذين ساهموا ، بتسخير الأمازيغية أو العربية العامية في تـحويل الثقافة الشعبية الشفاهية إلى أداة لها مفعولها في نقل القيـم وتـحريك الهمم طيلة الديجور الإستعماري الـحالك لـما كان شعبنا في تخلف ثقافي مدقع.
هذا ، و أجدّد خالـص شكـري لـجمـيع الـمفكّريـن والـمبدعيـن و الفنانيـن ، رجالا ونساء، الذيـن شاركوا في سنة الثقـافـة العربـية هـذه ، و من خلالهم لـجميع الذيـن يساهـمـون يـومـيـا وبـشغـف و إتـقـان في رفـع راية الثقافة العربية عالية عبر وطننا العربي و العالـم أجمع.
و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته
* ألقيت الرسالة بالمسرح الوطني محي الدين باشطارزي يوم السبت 26/01/2008
|
| 
 |
 |
 |
السياحة في الجزائر
معالم ومواقع من" البهجة " |
|
 |
|
|
|
|
|
 |
 |
 |
الجزائر باختصار
يكتبها أهل الاختصاص
|
|
 |
|
|
|
|
|
 |
 |
 |
الدول المشاركة
نافذة على الثقافة العربية |
|
 |
|
|
|
|
|
 |
 |
 |
خـدمـات
المفيد من المعلومات
|
|
 |
|
|
|
|
|
|
|
|