|
وثائق عاصمة الثقافة |
| كلمة السيد عمرو موسى
الأمين العام لجامعة الدول العربية |
في الافتتاح الرسمي لتظاهرة "الجزائر عاصمة الثقافة العربية
السيد الرئيس
إنه لشرف كبير لي أن أشارك في افتتاح العام الثقافي العربي ، في هذه العاصمة البهجة ، الجزائر ، التي تحتفل بتنصيبها عاصمة للثقافة العربية على مدى عام 2007 . حقا أن هذه المناسبة لها مذاق خاص ، وهذا الحشد الكبير والاحتفال القيم يمثل رسالة تأتي في وقتها تماما ومن عاصمة عربية لها ثقلها ودورها بالإضافة إلى تاريخها .
ويسرني أن أقدم التهنئة الخالصة إلى الجزائر كلها ، أقدمها إليكم سيادة الرئيس وإلى أهلنا في الجزائر ...إلى كل جزائري وجزائرية على هذه الأرض الطيبة ، أو أينما كانوا .إن الحدث ضخم وله معان كبيرة وعديدة .
فيجدر أولا التنويه بأن هذا العام يأتي والثقافة العربية ، التي هي الرافد الرئيس للثقافة الإسلامية ، أقول الرئيس ولا أقول الوحيد ، لاتزال تتعرض لهجوم كاسح على قواعدها وعلى أفكارها بل على مضامينها ومراجعها .
السيد الرئيس
أن تكون هذه المدينة عاصمة للثقافة المفترى عليها ، يضع على عاتق الجزائر من المسؤولية مثلما يضع على جيدها عقدا يزينها من ورود الشعر والأدب والإبداع .
إن الجزائر بتنوع أركان ثقافتها العربية الإسلامية ، والعرض الرائع الذي جاب شوارعها أمس قد أبرزها ، والأمسية الفنية الرائعة التي رعتها وقدمتها وزارة الثقافة ، تعطي المثل على هذا العالم العربي المتعدد العناصر ، الغني بها والثري بمنطلقاتها ...العالم العربي القادر على مواجهة الهجمة بالحجة والبرهان ، بالأداء الرفيع ، وبتأكيد دوره الأدبي والتاريخي والعلمي .
إننا نعيش مرحلة خطيرة من مراحل تطور النظام الدولي الذي وضع على جدول أعماله إلى جانب المسائل السياسية والاقتصادية والأمنية ، بندا يتعرض لحضارات الأمم وتنافسها بل وتصادمها أسموه صراع الحضارات ، وهو اسم على غير مسمى ..إنه في حقيقته بين الغرب والإسلام ...استخرجته من أضابير الماضي سياسات مغرقة في المحافظة واليمينية في بعض الأوساط الغربية ، لتواجهها ممارسات على شاكلتها .والمهم هنا هو أن نحسن اختيار أسلحتنا في هذه المواجهة ، وأمضاها هو سلاح العقل ، سلاح المنطق ، يلاح التاريخ .ولكن أيضا سلاح التقدم واللحاق بالعصر ، فلا يمكن أن نقارع المستقبل بالماضي ، أو نعيش الحاضر كزوار مشاهدين لاكمساهمين وفاعلين .
والأمر الثاني الذي يؤكد أهمية كون الجزائر عاصمة للثقافة العربية هو الإسهام الكبير لأبنائها وبناتها في ترقية وتحقيق عالمية هذه الثقافة وتقديمها إلى القارئ العالمي من خلال مبدعيها بل مبدعي العرب من أبنائها .فمن منا لايذكر فارس السيف والقلم الأمير عبد القادر الجزائري .
من لا يذكر الشيخ عبد الحميد بن باديس ، أو الشيخ البشير الإبراهيمي ، أو محمد العيد آل خليفة أو شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا أو محمد راسم عميد المنمنمات ... بل من منا لايعرف هؤلاء الكتاب الجزائريين الذين كتبوا بالفرنسية فعبروا عن روح عربية إسلامية ، أذكر منهم مالك بن نبي ومولود فرعون وكاتب ياسين ومحمد ديب وآسيا جبار .
السيدات والسادة
إن سنة الثقافة العربية والتي تحمل لواءها الجزائر سوف تضيف الجديد إليها من خلال بعدها الإفريقي والمتوسطي ، توسيعا لفضاءاتها وتعميما لإشعاعها ، لقد قامت الثقافة ظهيرا قويا للسياسة في نضال الجزائر التاريخي ضد الاستعمار ، وذلك تواصلا مع ما فجرته الثورة الجزائرية من إبداعات وخاصة في الفكر النضالي بعد أن أصبحت ملهمة للعديد من المفكرين والفنانين والمبدعين العرب .
ومن حسن الطالع أن يتزامن انطلاق هذه التظاهرة الثقافية مع تنظيم أسبوع الفيلم الأمازيغي بمدينة تلمسان إحدى حاضرات الثقافة العربية الأوسع بالجزائر ، وبداية السنة الجديدة الأمازيغية 2957 . والتي أود أن أعبر عن خالص التهاني بمناسبتها .ونظرا لما يمثله هذا البعد من تأثير إيجابي على حركة الفكر والثقافة العربية الإسلامية التي تنصهر فيها الثقافات الشقيقة المحلية من أمازيغية وكردية وغيرها لتشكل بهذا التنوع الفسيفسائي لوحة فنية متكاملة ، ومنبعا غزيرا بتنوع إنتاجه لإثراء الثقافة العربية الجامعة والفكر الإنساني الأشمل .
وقد تكون هذه المناسبة فرصة سانحة لتسليط الضوء على ماقدمه المبدعون المغاربيون في مجال الثقافة والفكر لأشقائهم في المشرق العربي ، حتى تستقيم حقيقة أن الفكر والإبداع الثقافي في المغرب العربي هو جزء أساسي من ثقافة العرب يتعين الاهتمام به والاستناد عليه في عموم منظومة الأدب العربي تاريخا ومعاصرة .
كما أود أن أؤكد في هذا الصدد أنه إذا كانت السياسة العربية تفرق في بعض الأحيان بين الأشقاء في العالم العربي ، فإن الثقافة العربية ماتزال العنصر الجامع بينهم ، حيث تشكل الضمير النابض ، والحصن المنيع ضد أي اختراق للهوية الواحدة والانتماء القومي .
السيدات والسادة
إذا كان لنا أن نقر بأن المعركة الحضارية والثقافية دائرة بيننا وبين دوائر غربية معينة ، فلابد أن نقر أيضا بأننا نقبع في مؤخرة الركب الدولي في مجالات الإنتاج الثقافي والابداع الفكري والطرح العلمي .
ليكن عام 2007 ، ولتكن ريادة الجزائر خلالها ريادة للنهوض بالثقافة والفكر والعلم ، وأن تكون الدعوة الصادرة من هذا المكان وهذه المدينة العظيمة دعوة جدية لانطلاق ورفع راية الإبداع والارتفاع بالإنتاج الأدبي والفني والعلمي وتحقيق عالميته ، والانطلاق نحو المستقبل .
ويسعدني في النهاية أن أحيي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ، وهو من هو في معرفته وخبرته بالعالم ومايدور فيه ، وأن أعبر عن الثقة في حكمته وحكمة إدارته لهذه المعركة الثقافية السياسية التي تدور رحاها في عالم مضطرب .
وفقكم الله ... والسلام عليكم ورحمة الله..
|
|
|