في الافتتاح الرسمي لتظاهرة "الجزائر عاصمة الثقافة العربية "
فخامة رئيس الجمهورية
معالي السيدة خليدة تومي وزيرة الثقافة
أصحاب المعالي والسعادة
السيدات الفضليات والسادة الأفاضل
قبل أقل من نصف قرن من هذا اليوم التاريخي الذي تجمعنا فيه الثقافة العربية الواحدة والموحدة لنا جميعا ، كانت الجزائر ماتزال تخوض معركتها التحريرية ضد الاستعمار الفرنسي . وكان النصر قاب قوسين أو أدنى ، وكانت الشعوب العربية ، بمختلف أقطارها مشرقا ومغربا في انتظار الحدث السعيد ، حدث استقلال الجزائر الذي لم يكن أحد يخامره أدنى شك في أنه آت ، وأنه يشق طريقه للانبلاج مثل فلق الصبح ، لكن الذي كان يدور على الشفاه ، ويتردد على الألسن ، وكان موضع تساؤل ، ومبعث قلق وحيرة هو الصورة التي كانت غائمة وغائبة عن الجزائر الثقافية التي خشي الكثيرون من أن تكون قد تشوهت وفقدت أصالتها ، وانصهرت في هوية المستعمر الذي كان شدد قبضته وأمعن طوال قرن وثلث القرن في اجتثاث الجزائر من أرومتها وعروبتها ومنابتها الحضارية ، وطمس هويتها ومسخ ثقافتها وقضى على لسان قومها .ذلك أنه بقدر ماكان النضال الوطني والسياسي والكفاح المسلح يأخذ مداه في أجهزة الإعلام المختلفة العربية والدولية ، وكان محل متابعة ومشاهدة ومعاينة في الصحف والإذاعات والتلفزات ، فإن النضال الثقافي والفكري والحضاري كان خلف الواجهة ، وكان يلعب دوره المؤثر في تواضع واحتشام وبذات الفاعلية إن لم نقل أنه كان أحد أحيانا من الواجهتين السياسية والعسكرية ذاتهما .
إن المتأمل في التاريخ الثقافي للجزائر ، سوف يلاحظ ظاهرة فريدة في بابها ، أن الثقافة في الجزائر كانت صنوا للسياسة في النضال المشترك ضد المستعمر وكانت ظهيرا لها ، بل كانت الثقافة في معظم الأحيان سابقة للسياسة وممهدة ، ومحرضة ومؤججة لها .وقد برزت هذه الظاهرة وتجسمت بجلاء منذ أول ثورة مسلحة شنها الأمير عبد القادر ضد الاستعمار الفرنسي ، حيث زاوج هذا الأمير في نضاله بين السيف والقلم ، فكانت يد على الزناد ، وأخرى في المداد ، وكان يرى أن القلم ينبغي أن يتقدم السيف ، وأن العلم والمعرفة هما السند المكين للكفاح الوطني حتى أنه أعفى الطلاب من الالتحاق بصفوف الجهاد ، معتبرا طلب المعرفة بحد ذاته كفاح في ساحة أخرى لاتقل شأنا عن ساح المعركة ، أو ليس هو القائل :
فإن شئت علما تلقني خير عالم وفي الروع أخباري غدت توهن القوى
وقد ترسم خطى الأمير المناضل الشاعر معظم المصلحين والثائرين والكتاب والشعراء في الجزائر في تلك الحقبة وفي كل الأحقاب الموالية ، حتى أنه ليصح القول بأن الثقافة في الجزائر هي التي هزمت الاستعمار وكانت جوهر النضال الوطني ومضمونه ومحوره ، بل إنها كانت أشد فتكا وأمضى أثرا في بعض المراحل من ضروب الكفاح الأخرى ، وأقدر على الصمود والمجابهة وركوب المخاطر ، وتقديم الثمن الباهظ .
على أن الظاهرة الأكثر بروزا في قراءة صور الثقافة في الجزائر أنه في كل مراحل تاريخ هذا البلد العزيز وجد علماء ومصلحون ومفكرون عجز الاستعمار على قهرهم وترويضهم وهزمهم ، رغم أنه لم يكن لهم من سلاح سوى أقلامهم وحبرهم وصحفهم وكتبهم وقرائحهم .
في مطلع القرن العشرين كان هناك المناضلان الخالدي الذكر عمر راسم ، وعمر بن قدور ، وكانا بمفرديهما وبقلميهما فقط من شن حملة قلمية وفكرية ضارية على الاستعمار مترسمين في ذلك خطي الأمير عبد القادر إلى أن أخذ المشعل عنهما العلامة المصلح عبد الحميد بن باديس ورفاقه في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الثلاثينيات وما بعدها ، من أمثال مبارك الميلي ، والبشير البراهيمي ، وأحمد سحنون ، إضافة إلى علماء آخرين من غير الجمعية أمثال الشيخ ابراهيم اطفيش ، وأبي اليقضان ، والسعيد الزاهري ، والأمين العمودي ، هؤلاء جميعا كانوا يمثلون الثقافة المناضلة عن الهوية ، وعن الروح العربية الاسلامية ، وعن اللغة العربية التي قبضوا عليها قبضهم على الجمر ، ليحافظوا بذلك على الرسالة وينقلوها بأمانة إلى الأجيال التي تعيش الآن مرحلة الاستقلال ، مزهوة بذاتيتها وثقافتها وحريتها .
إن من حق الجزائر أن تفخر اليوم في هذا المحفل العربي الثقافي بشهدائها من المفكرين والمبدعين أمثال أحمد رضا حوحو والعربي التبسي ، والأمين العمودي والربيع بوشامة ، والحبيب بناسي الذين لم يتحمل الاستعمار صلابتهم ، وحدة أقلامهم وجرأة أفكارهم فأعمل فيهم سلاحهم وواجههم بالرصاص والمشانق بدل المحاورة والمقارعة بالفكر وتحمل الرأي المناهض كما من حقها أن تزهو برجالاتها الأفذاذ من الكتاب الذين تعرضوا للسجن والاضطهاد توفيق المدني ، ومفدي زكرياء ، والشيخ صالح بن يحيى ، وأضرابهم كثير .
إن الحركة الوطنية الجزائرية ، إن امتازت على غيرها من الحركات المماثلة لها في الوطن العربي ، فبنظرتها للتحرر بأن يكون شاملا أو لايكون ، أن يكون تحررا سياسيا وثقافيا واقتصاديا وحضاريا .وهو ماتحقق بالفعل بفضل هذا النضال الجماعي الذي تمازجت فيه الثقافة بالسياسة وبالكفاح المسلح .
السيدات الفضليات
الأساتذة الأجلاء
الحضور الكريم
تلك هي صورة الجزائر الثقافية المعاصرة وهي التي أهلتها لأن تختار وبإجماع الدول العربية قاطبة عاصمة للثقافة العربية بعد مضي خمس وأربعين سنة فقط على استقلالها الوطني ، وإنكم لتشاركونني القول دونما شك ، بأنها صورة من أنصع الصور وأروعها بين الدول الشقيقات ، وأنها تستحق كل هذا الاهتمام ، وهذا لحضور المشرف من كل المسؤولين المثقفين والمفكرين العرب الذين يحضرون هذا الحفل إكبارا لهذا الشعب ، وتقديرا لنضاله الوطني ونضاله الثقافي ، واعتزازا بكل المكاسب التي حققتها الثقافة العربية في الجزائر التي كانت على الدوام سندا للنضال الوطني ، ومجالها العربي والإسلامي إلى الانخراط في موكب المناضلين بالرأي ، وبالفكر في العالم بأسره .
على أن ذلك كله لم ينطلق من فراغ ولا كان محض توهم أو خيال ، إنه سلسلة من تاريخ طويل حافل بالعلماء والشعراء والكتاب أنجبتهم هذه الأرض المعطاء على مر القرون والأحقاب ، بدءا من الدولة الرستمية التي ظهرت في القرن الثاني الهجري وعلى عهدها تأسست أولى المكتبات في هذه الربوع ، مرورا بالدولة الحمادية في بجاية وحتى الدولة الزيانية بتلمسان .ففي هذه المحطات التاريخية الهامة نشطت الثقافة ونشط الإبداع ، وظهر العديد من العلماء والشعراء والكتاب والأطباء والعلماء من أمثال ابن الخلوف ، وعبدالله بن يونس ، الفضل البجائي ، والقطان ، وابن مرزوق ، وحتى في الظروف التي شهدت فيها الجزائر انحسارا سياسيا وثقافيا على عهد الدايات الأتراك في القرون السادس والسابع والثامن عشر الميلادية فإن الفكر والثقافة حافظا على حضورهما الفاعل من خلال علماء وأدباء كانقاوسي ، والونشريسي ، والمغيلي ، والأخضري ، وابن الفكون ن وابن حمادوش ، وعن هؤلاء نقل المعاصرون الرسالة التي حملوها بأمانة إلى هذا الجيل الذي شهدت الثقافة الجزائرية المعاصرة من خلال ابداعاته نقلة نوعية في الشكل والمضمون ،في الشعر والقصة والرواية ، في البحث والدراسات والتحقيق والتحقيق مما سيكون له آثار إيجابية على تطور الأدب العربي والثقافة العربية في الجزائر ، وعلى نهضة الوطن العربي كله ، وقد بدأنا نلمس طلائع هذه النهضة في كتابات وإبداعات العديد من الكتاب الجزائريين ، سواء منهم من يكتب باللغة العربية التي لم تعد الكتابة بها محل جدال أو اختلاف أو تشكيك أو اللغات الأخرى التي كانت نافذة البعض على التثاقف ، وكانت الكتابة بها لأسباب قهرية أو طوعية بعيدة كل البعد عن الشعور بالاستلاب أو التنكر للهوية والأصالة .
السيدات الفضليات
السادة الأجلاء
ماكنت لأستعرض هذه المحطات الثقافية عبر هذا التاريخ الحافل لهذا البلد العزيز الذي نكن له ولمثقفيه ومفكريه كل التقدير والامتنان والاعتزاز لما قدموا من تضحيات جسام ، لولا أن المناسبة كانت تقتضي أن ألمح في عجالة للأسباب والدواعي التي أوجبت اختيار الجزائر عاصمة للثقافة العربية لهذه السنة ، والجزائر لاتعني هنا العاصمة وحدها إنما نعني بها الجزائر الدولة والشعب والأرض والتاريخ ، والنضال الثقافي والوطني والشهداء .
فإلى هؤلاء جميعا شهداء وأحياء ، تاريخا وأرضا وشعبا كل الإكبار والإجلال ، ومن حقهم علينا أن نأتي لتكريمهم للمعاني التي ذكرت بعضها ، ولولا أن الوقت المتاح لإجزاء هذه التحية المقتضبة ماكان يسمح بالإلمام بكل مايجب أن يقال في مناسبة عظيمة كهذه ، وفي حق عاصمة كالجزائر حافلة بالتاريخ والأمجاد والأعلام والانجازات الهامة والتراث الحضاري الزاخر لكان مجال الاستعراض والإطناب بلا حدود أو توقف .
الشكر موصول ومرفوع في أسمى معانيه وأياته إلى فخامة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة رئيس الجمهورية الجزائرية الذي يرعى حفلنا هذا بعنايته المعروفة ورعايته المعهودة للثقافة وأهلها ، وإلى السيدة وزيرة الثقافة خليدة تومي كل تقديرنا وامتناننا ، كما للمشرفين على الإعداد والاستقبال والسهر على متابعة البرنامج السنوي لهذه الاحتفالات كل الشكر والإكبار .
إننا على يقين من أن هذه السنة الثقافية ستكون حاشدة حافلة للفعاليات والنشاطات ، داعين الدول العربية جميعها للمشاركة في هذه المناسبة دعما لأواصر الأخوة ، ووصلا للحمة الثقافية المنشودة ، وإيفاء بدين مستحق علينا لهذا البلد العزيز الأثير .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
|